الشريف الرضي

44

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

ثم قال : ( قد بينا في معنى ( رأى العين ) ما تزول معه الشبهة ، لأنه إن كان هناك منع من رؤية جميعهم ، فلم يروهم إلا مثليهم على التحقيق ، وإن كان المراد بذلك طريقة الظن ، فهو محمول على الامارة ، والرؤية مشتركة مستعملة في الادراك ، وفي العلم ، وفي الظن ، فإذا كان المظنون من باب ما يرى وتظهر أمارته عيانا ، جاز أن يوصف بذلك ) . قلت أنا : إن الله سبحانه قد بين الغرض في تقليل المشركين في أعين المسلمين في السورة التي يذكر فيها الأنفال قبل الآية التي ذكرناها ، وهو قوله تعالى : ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر . . . الآية - 43 ) ، ثم أعقب تعالى ذلك بأن قال : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا . . . الآية ) فوجب أن تكون رؤية النوم ورؤية اليقظة يجري بهما إلى غرض واحد ، وقد بين تعالى : أنه أرى رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه جمع المشركين قليلا لئلا يفشل المسلمون ويهنوا ويتواكلوا ويجبنوا ، ولتقوى قلوبهم وتشتد ( منهم ) ( 1 ) بقلة عدد عدوهم ، فيجب أن يكون ما أراه الله سبحانه من قلة المشركين في اليقظة مرادا به هذا المعنى ، فأما تقليل المسلمين في أعين المشركين ، فقد ذكرنا الغرض فيه متقدما فلا معنى لإعادته ، وإذا كانت رؤية المنام على الحال المؤنسة ، كثيرا ما تقوى بها النفوس وتطمئن إليها القلوب ، حتى تزيد في انشراح الصدر وتؤثر في اشتداد الأزر ،

--> ( 1 ) جمع منة بالضم وهي القوة ، وفي نسخة : منتهم ، وفي أخرى : ويشتد متنهم . وهو كما يقال : يشتد أزره